أبعاد مشروع الربط النفطي بين سوريا والعراق
تحت المجهر

أبعاد مشروع الربط النفطي بين سوريا والعراق

شارِكْ
قراءة
حجم الخط

وقّعت سوريا والعراق في 17 تموز/ يوليو 2026 مذكرة تفاهُم تتضمن مدّ خط أنابيب جديد يربط بين حقول البصرة وميناء بانياس السوري، بطاقة استيعابية تصل إلى مليونَيْ برميل يومياً، على أن يُنفَّذ المشروع خلال 30 شهراً من تاريخ تحويل مذكرة التفاهم إلى اتفاق نهائي.

من المتوقع أن يُحقّق المشروع عوائد اقتصادية مهمة للجانبين؛ حيث يمنح العراق منفذاً مباشراً إلى موانئ البحر المتوسط، ويوفر له مساراً إضافياً لتصدير النفط بعيداً عن الاعتماد شِبه الكامل على الممرات البحرية في الخليج ومضيق هرمز. كما تُشير التقديرات إلى أن المشروع قد يُدِرّ على الخزينة السورية عوائد تصل إلى 200 مليون دولار أمريكي سنويّاً.

لا تقتصر أهداف المشروع على الجانب الاقتصادي، وهو ما توحي به الرعاية الأمريكية له؛ فقد وُقّعت مذكرة التفاهم في الولايات المتحدة خلال زيارة أجراها رئيس الحكومة العراقية الجديدة إلى واشنطن، ويشير ذلك إلى وجود أبعاد سياسية وأمنية مرتبطة برغبة واشنطن في إعادة تنظيم قطاع الطاقة العراقي، وتعزيز حضور الشركات الأمريكية المؤثرة، مثل "شيفرون"، والتأثير في مسارات تصدير النفط؛ بما يقلّص قدرة إيران على توظيف الاقتصاد العراقي وشبكات الطاقة لتعزيز نفوذها داخل البلاد.

وقبيل توقيع مذكرة التفاهم، أشرفت الحكومة العراقية الجديدة، برئاسة علي الزيدي، على اعتقال العديد من الضباط والسياسيين العراقيين على خلفية قضايا فساد مرتبطة بالثروة النفطية. وتُشير بعض المعطيات إلى ارتباط عدد من هذه الشخصيات بشبكات قريبة من إيران، فيما بَدَا أنه جزء من سلسلة خُطوات منسقة بين واشنطن وبغداد تستهدف تقليص نفوذ تلك الشبكات داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد، بالتوازي مع الضغوط الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة.

يبدو أنّ الولايات المتحدة تسعى أيضاً إلى توفير "مسارات بديلة" عن مضيق هرمز تُسهم في استقرار إمدادات الطاقة وتقليل تأثُّرها بالتوترات الإقليمية، إضافة إلى تطوير التكامل الاقتصادي بين سوريا والعراق وتركيا، وربطه بتنسيق أمني أوسع، ويُمكن لهذا المسار أن يُشكّل إحدى ركائز الاستقرار الإقليمي، وأن يدعم تعافي سوريا والعراق؛ بما يضيّق المساحات التي قد تستغلها إيران لإعادة بناء نفوذها في البلدين المُنهَكين من سنوات الحرب والاضطرابات الأمنية الطويلة.

كذلك لا يمكن إغفال رغبة واشنطن في تعزيز حضور شركاتها المؤثرة في قطاع الطاقة بالمنطقة، بالتوازي مع خُطَط لتطوير نشاطها في حوض البحر المتوسط من خلال اتفاقيات محتملة مع سوريا، ومن شأن ذلك أن يمنح الولايات المتحدة دوراً أكبر في رسم مسارات الطاقة الإقليمية، ويعزز قدرتها على التأثير في الإمدادات المتجهة إلى الأسواق العالمية.

وبعد الإعلان عن مذكرة التفاهم "السورية – العراقية" برعاية أمريكية، نفذت إيران قصفاً صاروخياً على منطقة التنف السورية، وتبنّى الحرس الثوري الهجوم رسمياً، مُعلِناً استهداف مركز قيادة للعمليات الأمريكية الخاصة في سوريا، وقد يحمل توقيت القصف رسالة إيرانية مفادها أن طهران قد تلجأ إلى التصعيد الأمني وتقويض الاستقرار إذا مضت دمشق وبغداد في إستراتيجية إقليمية مدعومة أمريكياً تستهدف الحدّ من نفوذ إيران وقطع مساراتها الاقتصادية والأمنية.

أخيراً لا يُمثّل مشروع الربط النفطي بين سوريا والعراق خَطّاً تجارياً جديداً فحَسْبُ، بل يبدو جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل شبكات الطاقة والنفوذ في المنطقة. فالعراق يبحث عن تنويع منافذ تصديره، وسوريا تسعى إلى تحصيل عوائد مالية واستعادة دورها بوصفها ممراً إقليمياً للطاقة، فيما تريد الولايات المتحدة تقليل أخطار مضيق هرمز، وتعزيز حضور شركاتها، وتضييق أدوات النفوذ الإيراني في البلدين، ومع ذلك يبقى تنفيذ المشروع مرتبطاً بتحويل مذكرة التفاهم إلى اتفاق ملزم، وتأمين التمويل، وضمان استقرار المسار الذي سيَعبره خطّ الأنابيب، لذلك يُرجَّح أن يتحوَّل المشروع نفسه إلى ساحة تنافُس إقليمي؛ إذ ستعمل واشنطن على تثبيته بوصفه ركيزة اقتصادية وأمنية، بينما قد تسعى إيران إلى تعطيله أو رفع تكلفته، سواء عَبْر الضغط السياسي داخل العراق أم من خلال إثارة تهديدات أمنية على امتداد مَساره.

الباحثون

إصدارات أخرى