شهدت بلدة عين منين في ريف دمشق بتاريخ 31 تموز/ يوليو 2026 توتراً أمنياً بعد احتجاجات نظمها السكان اعتراضاً على أعمال تنفذها المؤسسة العامة لمياه الشرب، وانتهت بتدخل قوات الأمن الداخلي لإعادة فتح الطرق وفض التجمعات.
تعود خلفية الاحتجاج أساساً إلى رفض سكان البلدة حفر آبار إضافية في أراضيها بهدف سد احتياجات المناطق المجاورة اعتماداً على مخزونها من المياه الجوفية، في وقت تعيش فيه البلدة تحت تقنين قاسٍ لا تصل فيه المياه إلى منازلهم سوى مرة واحدة أسبوعياً. ويطالب أهالي البلدة بتطبيق المادة 24 من قانون التشريع المائي رقم 31 لعام 2005 ، التي تعطي الأولوية القصوى في استخدام الموارد المائية لتأمين مياه الشرب والاستخدامات البشرية الأساسية قبل بقية الاستخدامات.
تشير هذه الحادثة إلى عمق أزمة الأمن المائي التي تتعرض لها سوريا، بعدما تجاوزت آثارها الجانب الخدمي والبيئي، وأصبحت تهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. وتعود الأزمة إلى مجموعة من العوامل البنيوية والطارئة التي تفاعلت فيما بينها وجعلتها تتفاقم بصورة غير مسبوقة. ويأتي في مقدمة هذه العوامل الدمار الذي ألحقته الحرب بالبنية التحتية لقطاع المياه، والذي تجاوزت نسبته 60% وفق تصريحات رسمية، إلى جانب خروج عدد من محطات الضخ والمنشآت المائية عن الخدمة، وارتفاع معدلات الفاقد في شبكات المياه والهدر الناجم عن استخدام أساليب الري التقليدية.
وتفاقمت هذه العوامل بفعل التغيرات المناخية الحادة، وتراجع الهطولات المطرية والثلجية، وعدم انتظام توزعها زمنياً ومكانياً؛ إذ انخفضت الهطولات خلال موسم 2024 – 2025 بنحو 60% عن المعدل السنوي، وفق تقديرات رسمية، مما انعكس على مخزون السدود وتغذية المياه الجوفية والإنتاج الزراعي.
غير أن أسباب الأزمة لا تعود كلها إلى الظروف المناخية أو آثار الحرب؛ حيث كان للحفر العشوائي للآبار، وسوء إدارة الموارد المائية دور كبير في تعميقها. ومع سقوط نظام الأسد وإعادة هيكلة عدد من المؤسسات، اتسعت حالة الفراغ الرقابي في بعض المناطق، واستغل بعض الأفراد ذلك لحفر آبار داخل أراضيهم لأغراض متعددة. ومع ذلك، لا تُعد ظاهرة الآبار المخالفة جديدة، بل تعود إلى سنوات سابقة وتفاقمت بفعل ضعف الرقابة وعدم الاستقرار. ولم تعد ظاهرة الآبار المخالفة تقتصر على المشاريع الزراعية، إنما امتدت لتشمل المناطق السكنية تحت ذريعة تأمين مياه الشرب، في حين سهّل انتشار منظومات الطاقة الشمسية تشغيل عدد من هذه الآبار لساعات أطول، بما زاد الضغط على المخزون الجوفي.
يُقدّر عدد الآبار غير المرخصة في ريف دمشق وحده بنحو 50 ألف بئر، مقابل نحو 14,500 بئر مرخصة. كما تفتقر نسبة كبيرة من الآبار إلى التنظيم والرقابة، سواء من حيث مواقعها أو أعماقها أو معدلات الضخ وساعات التشغيل، مما أدى إلى استنزاف مخزون المياه الجوفية وتراجع غزارة الينابيع وخروج بعض آبار مياه الشرب عن الخدمة. وأدخل ذلك أزمة المياه في حلقة مفرغة؛ إذ يدفع انقطاع المياه السكان والمزارعين إلى حفر المزيد من الآبار، بينما يؤدي تكاثر الآبار وزيادة الضخ إلى استنزاف المخزون الجوفي وتراجع الينابيع والآبار العامة، مما يفاقم الانقطاع ويولد بدوره حاجة جديدة إلى الحفر.
إذاً، تشهد سوريا أزمة متفاقمة في تأمين مياه الشرب، خاصة في دمشق وريفها، مع الانخفاض الكبير في منسوب مياه نبع عين الفيجة، الذي يؤمّن جانباً رئيسياً من احتياجات العاصمة ومحيطها، مما دفع المؤسسة العامة للمياه إلى اعتماد جداول تقنين متفاوتة بين المناطق. وفي محاولة لمعالجة هذه التحديات، تنفذ الشركة العامة للمياه والصرف الصحي في دمشق وريفها برنامجاً واسعاً لإعادة تأهيل المنشآت المائية في عدد من المناطق، بما يشمل الشبكات والآبار والخزانات ومحطات الضخ والتحلية؛ بهدف رفع كفاءة الخدمة وتعزيز استدامة إمدادات مياه الشرب.
غير أنّ التوتر الذي حصل في بلدة عين منين يكشف أنّ أزمة المياه ليست ناتجة عن نقص في الموارد والإمدادات فحسب، بل هي أيضاً أزمة إدارة وثقة وعدالة في التوزيع بين المناطق. كما أن إدارة هذا الملف أصبحت من أهم القضايا الحيوية التي تواجه الحكومة السورية؛ لأن تعثر تأمين مياه الشرب والري ينعكس على الزراعة والأمن الغذائي والدخل وفرص العمل، ويمسّ بصورة مباشرة الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة، وقد يتحول إلى سبب للاحتجاج والنزاع.
وتتضح الانعكاسات الاقتصادية للأزمة من خلال العلاقة المباشرة بين شح المياه وتراجع الإنتاج الزراعي؛ إذ يؤدي نقص مياه الري إلى تقلص المساحات المزروعة وانخفاض إنتاج المحاصيل، ثم خسارة المزارعين مصادر دخلهم وارتفاع أسعار الغذاء وزيادة الاعتماد على الاستيراد. كما يدفع تراجع النشاط الزراعي مزيداً من السكان إلى مغادرة الريف بحثاً عن فرص العمل والخدمات في المدن، بما يزيد الضغط على السكن والبنية التحتية والخدمات العامة ويعمق الاختلال التنموي بين المناطق.
في هذا السياق، أدّى الجفاف الذي بدأ عام 2006 واستمر سنوات عدة، بالتزامن مع سوء إدارة الموارد والسياسات الزراعية، إلى تضرر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ونزوح عشرات الآلاف من الأسر الريفية إلى المدن ومحيطها. وقد ساهم الجفاف وتراجع سبل العيش والبطالة في زيادة الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية التي سبقت اندلاع الثورة ضد نظام الأسد عام 2011 ، إلى جانب عوامل سياسية واقتصادية أكثر مباشرة، في مقدمتها القمع والفساد وسوء الإدارة وغياب العدالة التنموية.
وتكمن جذور المشكلة في عدم وجود استراتيجية مائية وطنية فعالة وإدارة متكاملة للموارد. ورغم إصدار الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية في آب/ أغسطس 2025 تعميماً يمنع دخول أي حفارة آبار عبر المنافذ البرية أو البحرية أو الجوية دون الحصول على موافقة مسبقة من وزارة الطاقة، فإن ضبط استيراد الحفارات لا يكفي وحده لمعالجة الظاهرة؛ إذ يتطلب الأمر تنظيم عمل الحفارات الموجودة داخل البلاد، وإحصاء الآبار، وتركيب عدادات لقياس الضخ، وربط تشغيل الآبار بنظام ترخيص ورقابة صارم يراعي القدرة الطبيعية لكل حوض مائي على التجدد.
كما ترتبط إدارة المياه بالتنمية المكانية غير المتوازنة والضغط السكاني الناتج عن النزوح، مما يستدعي تشجيع استخدام أنظمة الري الحديث واختيار محاصيل تتناسب مع الموارد المائية المتاحة في كل منطقة. وينبغي كذلك التوسع في معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها في الزراعة والصناعة، وصيانة شبكات النقل والتوزيع للحد من الفاقد، وتنفيذ مشاريع حصاد المياه وتغذية الأحواض الجوفية. ويمكن دراسة إنشاء محطات لتحلية مياه البحر على الساحل السوري بوصفها خياراً استراتيجياً طويل الأجل، بعد تقييم تكاليف الطاقة والنقل والجدوى الاقتصادية والبيئية.
وتتطلب إدارة الأزمة أيضاً بناء إطار مؤسسي وقانوني قادر على تطبيق سياسات ترشيد الاستهلاك، من خلال اعتماد تسعير متدرج يحمي الكمية الأساسية اللازمة للحياة ويحمّل الاستهلاك المرتفع أو الترفيهي كلفته الحقيقية، وتشجيع استخدام التجهيزات المنزلية والمنشآت منخفضة التدفق. كما ينبغي إشراك المجتمعات المحلية في القرارات المتعلقة باستثمار الأحواض المائية ونقل المياه بين المناطق، ونشر البيانات المتعلقة بالمخزون والاستهلاك والآبار بصورة شفافة، وتوفير آليات واضحة للاعتراض وتسوية النزاعات المائية قبل تحولها إلى توترات أمنية.
كما أن أزمة المياه في سوريا هي أزمة إقليمية؛ حيث تعتمد البلاد بصورة كبيرة على الأحواض المائية المشتركة والأنهار العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهرا الفرات والعاصي وحوض اليرموك، مما يجعل الأمن المائي السوري مرتبطاً أيضاً بالتفاهمات مع دول الجوار. ولا يمكن تصور مستقبل مستقر للمنطقة دون الوصول إلى حلول وتفاهمات مبنية على تقاسم عادل ومستدام للمياه، والاستقرار والنمو الاقتصادي والتعاون العابر للحدود.
بالمحصّلة، تبرز الحاجة إلى تبني رؤية جديدة لإدارة الموارد المائية تبدأ من المستوى الوطني، عبر التعامل مع المياه بوصفها حقاً أساسياً ومورداً عاماً محدوداً ينبغي إدارته بعدالة وشفافية، ثم تمتد إلى المستوى الإقليمي من خلال التعاون في إدارة الأحواض والأنهار المشتركة. فالمياه ليست مجرد سلعة اقتصادية تخضع لقوانين العرض والطلب، بل هي حق أساسي من حقوق الإنسان وضرورة حياتية لا غنى عنها.
وينبغي لأي استراتيجية مائية وطنية أن تضمن وصول الكميات الضرورية للحياة إلى جميع المواطنين، وأن تُميّز بين الاستخدامات الأساسية للمياه التي تستوجب الحماية والدعم، وبين الاستخدامات الثانوية أو الترفيهية التي يمكن إخضاعها لتسعير متدرج وآليات السوق. كما لا بدّ أن تراعي السياسات المائية الفوارق بين المناطق الريفية والحضرية، وبين الأحواض الغنية نسبياً بالمياه والمناطق الأكثر تعرضاً للشح.
إن منع تحول شح المياه إلى مصدر للنزاعات والاضطرابات المجتمعية لا يتوقف على زيادة الإمدادات وحدها، فهو يتطلب إدارة شفافة وعادلة للموارد، تضمن أولوية مياه الشرب، وتشرك المجتمعات المحلية في القرارات التي تمس أحواضها المائية، وتوازن بين الحق الأساسي في المياه ومتطلبات الزراعة والتنمية. فالعدالة المائية جزء لا يتجزأ من العدالة الاجتماعية، وشرط أساسي لتحقيق الأمن الاقتصادي والمجتمعي والتنمية المستدامة.

