شهد طريق دمشق – دير الزور بتاريخ 25 تموز/ يوليو حادثاً مرورياً أدى إلى وفاة 35 شخصاً وإصابة 30 آخرين، نتيجة اصطدام حافلة نقل مدنية بأخرى تنقل عناصر من قوى الأمن الداخلي. كما شهد الطريق ذاته في 27 تموز/ يوليو حادثاً آخر أدى إلى وفاة شخص وإصابة شخصين. أثارت هذه الحوادث موجة استياء شعبي في عموم سوريا وبعض مناطق دير الزور، خرجت على إثرها مظاهرات طالبت بإنصاف المحافظة وتسريع معالجة أوضاعها الخدمية والتنموية.
أعادت هذه التطورات إلى الواجهة قضية عدم العدالة في التنمية المجتمعية وتنفيذ المشاريع الخدمية بين المحافظات السورية، لا سيما أن دير الزور، كسائر المحافظات الشرقية، عانت من التهميش خلال عهد نظام الأسد، قبل أن تتعرض بنيتها التحتية لدمار واسع نتيجة العمليات العسكرية.
يُمثّل هذا الخلل امتداداً لسياسات تنموية غير متوازنة رافقت الدولة السورية منذ الاستقلال عام 1946، واتسعت هذه الإشكالية مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة بعد انقلاب عام 1970، في إطار سياسات عززت التفاوت التنموي بين المركز والمحافظات الشرقية، مما عمّق الفجوة التنموية بينها وأضعف مستوى البنية التحتية والخدمات الأساسية فيها.
ولذلك، لم يكن الغضب الشعبي الأخير ناتجاً عن الحوادث المرورية المتكررة فحسب، إنما يُعبّر عن شعور متراكم بغياب خطة حكومية متكاملة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتأخر إعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية في تلك المحافظات.
ترتبط حالة عدم العدالة بالتنمية المجتمعية بارتفاع مستويات الهشاشة الاجتماعية، حيث تدفع السكان إلى الهجرة من الريف والمناطق البعيدة نحو المدن الكبرى، وتؤدي إلى تآكل الثقة بالمؤسسات الحكومية. كما أن المشكلة لا تقتصر على شبكة الطرق، فهي تشمل ضعف الخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية، مما يفاقم الفجوة التنموية بين المحافظات. ولمعالجة هذه الإشكالية، ينبغي اعتماد إستراتيجية وطنية للتنمية تحقق التوازن بين المشاريع الاستثمارية واحتياجات المجتمع، مع إعطاء الأولوية للمحافظات التي تعرضت للتهميش والأضرار الأكبر، وذلك من خلال:
· وضع خريطة تنموية تُحقّق التوازن بين الحاجات والمشاريع، وتنطلق من سياسة الأولوية بما يعزز الأمن الاجتماعي والصحي والمجتمعي.
· عدم خذلان الريف مرة جديدة كما كان الأمر في عهد نظام الأسد، من خلال إدراج المحافظات الشرقية ضمن مسار الاستثمارات المعلن عنها، وعدم التعامل معها بوصفها خزاناً للنفط والقمح فقط.
· رفع مستويات الرعاية الصحية والاجتماعية وخدمات التعليم، بما يضمن عودة السكان الذين هاجروا من تلك المناطق نتيجة العمليات العسكرية منذ اندلاع الثورة وحتى توقيع الاتفاق مع قسد.
· إعداد خطة وطنية للرعاية الصحية تتضمن إعادة تأهيل المشافي والمستوصفات في المحافظات الشرقية، وتأمين مشافٍ ميدانية متنقلة على الطرق الدولية المؤدية إليها.
· توجيه أموال التبرعات الأهلية التي جُمعت في المحافظات السورية وفق مبدأ الأولوية واحتياجات كل محافظة ومنطقة، لا سيما أن قيمة هذه التبرعات تُقدَّر بنحو مليار دولار جُمعت عبر 20 حملة مجتمعية.
بالمحصّلة، تكشف حوادث طريق دمشق – دير الزور أن مشكلة المحافظات الشرقية لا تقتصر على ضعف البنية التحتية، فهي تعكس اختلالاً أوسع في أولويات التنمية وتوزيع الاستثمارات والخدمات العامة. وبينما تواجه الحكومة السورية في الوقت الراهن تحديات مالية وإدارية كبيرة كون البلاد خارجة لتوها من نزاع استمرّ لسنوات طويلة، فإن ترسيخ الاستقرار المجتمعي يتطلب تبني سياسة تنموية أكثر عدالة، تمنح المحافظات الأكثر تضرراً أولوية في إعادة الإعمار والخدمات، بما يُعزز الثقة بالدولة ويحدّ من الفوارق التنموية التي تراكمت خلال العقود الماضية.

