عقد مركز جسور للدراسات لقاءً جديداً من "صالون جسور" بعنوان "الحرب الأمريكية – الإيرانية: أبعادها السياسية والاقتصادية في سوريا" يوم 28 تموز/ يوليو 2026، بمشاركة عدد من الباحثين والخبراء بالشؤون السياسية والإستراتيجية والاقتصادية، حيث ناقش المشاركون تطورات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، والسيناريوهات المحتملة لمسار الصراع، وانعكاساته على المنطقة عموماً وعلى سوريا بشكل خاص، في ظل استمرار التوترات العسكرية والاقتصادية المرتبطة بالملاحة الدولية وأمن الطاقة.
تناول المحور الأول استعراض المشهد الميداني الراهن، حيث أشار المشاركون إلى أن الأيام الأخيرة شهدت توقفاً متزامناً للضربات العسكرية والهجمات الجوية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران بعد فترة من التصعيد المكثف، كما ناقشوا إعادة فرض الولايات المتحدة إجراءات الحظر البحري على الموانئ الإيرانية، واستمرار التلويح بالخيار العسكري بالتوازي مع المساعي الدبلوماسية.
وركز المحور الثاني على التطورات المرتبطة بمضيق هرمز، حيث ناقش المشاركون حالة التراجع الحادّ في حركة الملاحة التجارية نتيجة الأخطار الأمنية والعسكرية، وما نتج عنها من تكدس السفن التجارية بانتظار ضمانات العبور الآمن، كما استعرضوا الإجراءات التي اتخذتها القوات البحرية الإيرانية والأمريكية في المضيق، وتأثيرها على حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة، إضافة إلى الدور الذي تقوم به المنظمات الدولية في التعامل مع التداعيات الإنسانية واللوجستية للأزمة.
أما المحور الثالث فتناول الجهود السياسية والدبلوماسية الرامية إلى احتواء الأزمة، وأشار المشاركون إلى أن هناك قوى إقليمية منها تركيا والسعودية وباكستان تحظى بدعم عدد من الأطراف الدولية وتهدف إلى تعزيز السلامة البحرية وحماية البيئة وتنظيم حركة الملاحة، بالتزامن مع اتصالات دبلوماسية تقودها دول أخرى من بينها قطر وتركيا، سعياً لتثبيت التهدئة وتهيئة الظروف لمعالجة الملفات السياسية والأمنية الأوسع.
ناقش الحضور السيناريوهات المحتملة لمسار الأزمة، حيث عرض المشاركون 3 مسارات رئيسية؛ يتمثل الأول في سيناريو التهدئة المشروطة والتفاهمات الإطارية التي قد تقود إلى ترتيبات أمنية وملاحية مؤقتة تخفف التوتر وتضمن استمرار تدفق الطاقة والتجارة العالمية، أما السيناريو الثاني فيقوم على استمرار حالة "اللا حرب واللا سلم" من خلال حرب استنزاف طويلة الأمد تتخللها عمليات اعتراض متبادلة وإجراءات ضغط اقتصادية وعسكرية محدودة، في حين يتمثل السيناريو الثالث في انهيار المسارات الدبلوماسية واتجاه المنطقة نحو مواجهة عسكرية واسعة قد تشمل إغلاق مضيق هرمز واستهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية، وما يرافق ذلك من تداعيات كبيرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
تحدث المشاركون عن انعكاسات هذه الحرب وهذه الأزمة على سوريا، حيث أكدوا أن البلاد تتأثر بشكل مباشر بارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل التوريد العالمية، وانعكاس ذلك على الأوضاع المعيشية والاقتصادية. كما أشاروا إلى أن إعادة توجيه بعض خطوط الطيران الدولية بعيداً عن مناطق الصراع ساهمت في زيادة أهمية المجال الجوي السوري وتحقيق عوائد لوجستية إضافية، وفي المقابل أدى تركيز المجتمع الدولي على تطورات الخليج إلى تراجُع الاهتمام بالملف الإنساني السوري وانخفاض مستويات التمويل المخصص لبرامج الاستجابة الإنسانية.
شهد اللقاء نقاشاً موسعاً حول الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية للصراع، حيث رأى المشاركون أن الحرب لم تَعُدْ تقتصر على الجوانب العسكرية والأمنية، بل امتدت لتشمل الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والطاقة والتجارة البحرية. وأشاروا إلى أن التحولات التي شهدتها طرق الملاحة الدولية رفعت من الأهمية الإستراتيجية للبحر الأبيض المتوسط، وأعادت تسليط الضوء على الموقع الجغرافي لسوريا باعتبارها نقطة وصل بين المسارات البحرية والبرية في المنطقة.
أكد المشاركون أن سوريا تمتلك فرصاً للاستفادة من التحولات الاقتصادية والجيوسياسية الجارية، ولا سيما في مجالات النقل والخدمات اللوجستية والمشاريع المرتبطة بالاقتصاد الأخضر والتنمية الإقليمية، إلا أن الاستفادة الكاملة من هذه الفرص تتطلب تحسين البيئة الاستثمارية والبنية التحتية خلال السنوات المقبلة. كما شددوا على أهمية تجنب الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية، والتركيز على تعزيز الاستقرار الداخلي واستثمار المتغيرات الدولية بما يخدم المصالح الوطنية السورية.
وخلص اللقاء إلى أن مستقبل الاستقرار في المنطقة سيبقى مرتبطاً بمآلات الصراع "الأمريكي – الإيراني" ونتائج المواجهة الدائرة حول أمن الطاقة والممرات البحرية. كما أكد المشاركون أن مصير مضيق هرمز سيظل عاملاً حاسماً في تحديد اتجاهات الصراع، وأن سوريا مطالبة بمتابعة التطورات الإقليمية عن كثب، والاستعداد لمختلف السيناريوهات المحتملة، مع العمل على تحويل التحديات الراهنة إلى فرص اقتصادية وإستراتيجية تدعم مسار التعافي والاستقرار.

