تكررت خلال الأيام والأسابيع الماضية الاشتباكات المسلحة الناجمة عن خلافات عائلية ومالية واجتماعية في عدد من المناطق السورية، لا سيما في محافظتَيْ حلب وريف دمشق، حيث تحولت خلافات محدودة إلى مواجهات استُخدمت فيها الأسلحة النارية والقنابل اليدوية، وأسفرت عن سقوط قتلى ومصابين وأضرار مادية، واستدعت تدخُّلاً واسعاً من قوى الأمن الداخلي لاحتوائها.
خلال 3 أيام فقط شهدت محافظة حلب 3 حوادث لاشتباكات عائلية مسلّحة؛ حيث اندلع في حي الميسر بتاريخ 17 تموز/ يوليو 2026 اشتباك مسلح بين عائلتين إثر خلاف مرتبط بمحل تجاري، أسفر عن إصابة 3 أشخاص وإحراق عدد من السيارات، قبل أن تتدخل قوى الأمن الداخلي وتفرض طوقاً أمنياً وتُوقف عدداً من المتسببين بالاشتباك.
بعد يوم فقط شهدت مدينة أعزاز شمال حلب اشتباكاً مسلّحاً أيضاً بين عائلتين، تطور إلى إطلاق النار على دورية تابعة لقوى الأمن الداخلي أثناء تدخُّلها لفضّ النزاع، مما استدعى إرسال تعزيزات أمنية وانتشارها في مختلف أحياء المدينة. وفي 19 تموز/ يوليو، اندلع اشتباك مسلح بين عائلتين في حي بني زيد بمدينة حلب على خلفية ثأر سابق، وأسفر عن مقتل شخص وإصابة آخرين، قبل أن تتدخل قوى الأمن الداخلي وتفرض طوقاً أمنياً وتُوقف عدداً من المتورطين.
سبقت هذه الحوادث اشتباكات شهدتها بلدة الغزلانية في ريف دمشق بتاريخ 25 حزيران/ يونيو 2026، نتيجة خلاف مالي، تطور إلى مواجهات استُخدمت فيها الأسلحة النارية والقنابل اليدوية، وأسفرت عن وقوع إصابات وأضرار مادية، ما دفع قوى الأمن الداخلي إلى فرض حظر للتجوال لاحتواء التوتر والحفاظ على سلامة السكان.
أدى تكرار هذه الحوادث في عدد من المناطق إلى تصاعُد المطالب المجتمعية والأهلية بضرورة ضبط السلاح المنفلت والمنتشر بين المدنيين، لما لهذه الظاهرة من أثر في إضعاف هيبة الدولة، وتعزيز حالة انعدام الثقة بين المجتمع ومؤسساتها، ورفع معدلات الجريمة، وتحويل الخلافات الفردية والعائلية المحدودة إلى مواجهات مسلحة تهدد الأمن العامّ.
تتنوع الأسباب التي تؤدي إلى اندلاع هذه الحوادث بين خلافات مالية وتجارية، ونزاعات عائلية وثأرية، وأسباب اجتماعية مرتبطة بصعوبات الاندماج بين السكان الأصليين لبعض المناطق والمجموعات الوافدة إليها من المدن والأرياف التي تعرضت للدمار نتيجة العمليات العسكرية منذ عام 2011، وهو ما أضفى في بعض الحالات بُعداً مناطقياً أو عشائرياً على المشكلة.
بدأت بوادر اتساع هذه المشكلة مع تعرُّض المقرات الأمنية والعسكرية التابعة لنظام الأسد للنهب يوم سقوطه في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وتسرُّب كميات من الأسلحة والذخائر الموجودة فيها إلى أيدي المدنيين أو إلى السوق السوداء التي من السهل الوصول إليها. كما ساهم انتشار السلاح خلال سنوات الحرب، وضعف الضبط الأمني في بعض المناطق، في تعزيز شعور الأفراد والجماعات بالحاجة إلى امتلاك السلاح بوصفه وسيلة للحماية الذاتية، ما أضفى على المشكلة بُعداً اجتماعياً مرتبطاً بالشعور بعدم الأمان.
تستدعي معالجة هذه المشكلة وضع إستراتيجية متكاملة تقوم على الشراكة بين مؤسسات الدولة والفعاليات الأهلية والمجتمعية والمؤسسات الدينية، من خلال:
• تكريس احتكار الدولة للقوة والسلاح عَبْر مؤسسات وزارتَي الداخلية والدفاع، وتوسيع عمليات جمع الأسلحة الموجودة خارج نطاق المؤسسات الرسمية، مع وضع آليات واضحة لتسليمها وتسوية أوضاع حائزيها.
• وضع قوانين صارمة تجرّم حمل السلاح واستخدامه خارج الأُطُر القانونية، والتهديد باستخدامه، وتشديد العقوبات عندما يؤدي استخدام السلاح إلى وقوع إصابات أو جرائم قتل أو الإضرار بالممتلكات العامة والخاصة.
• تعزيز دور مجلس الإفتاء الأعلى في معالجة هذه المشكلة، من خلال إصدار فتوى تُحرّم استخدام السلاح في الخلافات الفردية والعائلية، على غرار فتوى تحريم الثأر والانتقام التي أصدرها في 6 حزيران/ يونيو 2025.
• تخصيص وزارة الأوقاف خطبة جمعة موحَّدة لمعالجة ظاهرة السلاح المنفلت من منظور ديني واجتماعي، على غرار تخصيصها خطبة الجمعة في 26 حزيران/ يونيو 2026 للتوعية بأخطار المخدرات على الفرد والمجتمع، وتعميم هذا التوجه على سائر المرجعيات الدينية والطائفية في سوريا عَبْر قنواتها المؤسساتية الخاصة.
• تفعيل دور الإعلام الحكومي في معالجة ظاهرة انتشار السلاح وغيرها من المشكلات الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع السوري، من خلال حملات توعية وإعلانات وبرامج وندوات حوارية تسهم في ضبط الواقع الاجتماعي، وتوضح الأخطار القانونية والأمنية المترتبة على حمل السلاح واستخدامه.
• تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني والفعاليات الأهلية والمجتمعية في إعادة تكوين رأس المال الاجتماعي وترميم الثقة بين مكوِّنات المجتمع السوري، وتفعيل دور مجالس الصلح في معالجة النزاعات، ولا سيما في المناطق ذات الطبيعة العشائرية أو التنوع الطائفي والقومي، منعاً لتحوُّل الخلافات الفردية والعائلية إلى اشتباكات ذات طابع مناطقي أو عشائري أو طائفي أو قومي.
• تطوير قدرة قوى الأمن الداخلي على التدخل المبكر والسريع لاحتواء النزاعات قبل اتساعها، وتعزيز حضورها في المناطق التي تتكرر فيها الاشتباكات، إلى جانب ملاحقة المتورطين في استخدام السلاح وإحالتهم إلى القضاء، بما يمنع تكريس التسويات الأهلية بديلاً عن المساءلة القانونية.
بالمحصِّلة، يُشكّل تضافُر الجهود بين مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني والفعاليات الأهلية والمؤسسة الدينية المحدِّد الأساسي لمعالجة ظاهرة انتشار السلاح والحدّ من تحوُّل الخلافات الاجتماعية والمالية والعائلية إلى مواجهات مسلحة. كما أن نجاح هذه الجهود يرتبط بقدرة الدولة على الجمع بين احتكار السلاح وإنفاذ القانون من جهة، ومعالجة الأسباب الاجتماعية والشعور بعدم الأمان وإعادة بناء الثقة بين السكان من جهة أخرى، بما يسهم في ضبط الواقع الاجتماعي وتعزيز الأمن والاستقرار في سوريا.

