يعقد مجلس الشعب السوري في 12 يوليو 2026 جلسته الأولى، بعد تأخير استمرّ 9 أشهر منذ تنظيم الانتخابات غير المباشرة في معظم المحافظات السورية وصدرت نتائجها مطلع أكتوبر 2025. مع ذلك أعطى تأخُّر تشكيل المجلس فرصة للدولة لتنفيذ العديد من الخُطوات التي كانت ستُعوّق بنية المجلس وهيكليته، وتُعوّق جلساته والقرارات الصادرة عنه، وأبرز هذه الخُطوات:
• إتاحة المجال لتنظيم الانتخابات غير المباشرة في محافظتَي الحسكة والرقة، بعد تحسُّن الظروف الأمنية والإدارية، بدلاً من تشكيل المجلس باستثناء تلك المناطق كما حصل في محافظة السويداء. وأسهم ذلك في توسيع قاعدة التمثيل داخل المجلس، وتعزيز شرعيته الوطنية، وتقليص احتمالات الطعن في تمثيله لمناطق شمال شرقي سوريا، بما وفّر للدولة أرضية أكثر استقراراً لإدارة المرحلة الانتقالية سياسياً واجتماعياً.
• تثبيت مكانة الدولة السورية قانونياً وسياسياً في المنظمات الدولية والإقليمية مثل الأمم المتحدة والجامعة العربية والتعاون الإسلامي والاتحاد من أجل المتوسط، واستعادة حقوقها في منظمات أخرى مثل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ورفع العقوبات الأممية عن الرئيس الشرع ووزير الداخلية، ورفع معظم العقوبات الدولية عن سوريا والذي سيُتوّج قريباً بإلغاء تصنيف سوريا من الدول الراعية للإرهاب.
• تفكيك جميع الفصائل العسكرية وإدماجها في الأجهزة العسكرية والأمنية الجديدة، وكان هذا بمثابة عملية جمع سلاحها وحصره بيد الدولة، وأعطى هذا نقطة قوة في تشكيل المجلس في عدم الخضوع لقوة السلاح وتمكينه من فرض شخصيات أو حصص (كوتا) أو أجندات سياسية، الأمر الذي ما تزال تعاني منه برلمانات دول عديدة مثل لبنان والعراق وغيرها.
• تطبيق الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ودمجها في المؤسسات الحكومية، وهي التي كانت لديها مشروع سياسي تسعى فيه لإقامة حكم ذاتي يهدد وحدة البلاد، ولذا حرصت الدولة على انتظار ضمّ ممثلي محافظات الحسكة وعين العرب، وتجاوزت الدولة موضوع تطبيق اتفاق السويداء؛ لأنه بالأصل ليس هناك مشروع سياسي تحمله المجموعات المسلحة هناك.
• تجميد عمل الأحزاب السياسية وخاصة التي منحها نظام الأسد حق السيطرة على الحياة السياسية، وجعل تمثيل مجلس الشعب بمثابة حقّ حصري لها، وهذا أعطى فرصة مهمة للمجلس لتفادي الاستقطاب السياسي الذي كان سيؤدي إلى صعوبة تحقيق التوافق داخل المجلس كما هو حاصل في دول مثل لبنان والعراق وغيرها.
بالمحصِّلة، سعت الدولة السورية للموازنة بين التمثيل الشعبي والاعتبارات السياسية والأمنية للمرحلة الانتقالية، وعملت على إتمام خُطوات عديدة تزيل من أمام المجلس التحدِّيَات التي كانت ستواجهه مقارنةً بما يحصل عادة في المرحلة الانتقالية، ومنحته فرصة إحداث تحوُّل حقيقي يستجيب لتطلُّعات السوريين وآمالهم من المجلس، إضافة إلى فرصة إحداث انتقال سياسي ينسجم مع المتطلبات الدولية من سوريا، ويسهل الدخول في المرحلة النهائية الدائمة في الموعد المحدد لها.

