الملخص التنفيذي
تتناول هذه الدراسة بناء الدولة السورية خلال المرحلة الانتقالية بوصفه التحدي الوطني الأكثر أهمية حتى عام 2030، انطلاقاً من فرضية رئيسة مفادها أن نجاح المرحلة الانتقالية لا يُقاس بمجرد حدوث التحوُّل السياسي أو انتهاء الصراع، وإنما بقدرة الدولة على استعادة وظائفها الأساسية، وتعزيز شرعية مؤسساتها، وترسيخ سيادة القانون، وتحقيق التنمية المستدامة.
وتنطلق الدراسة من أن المرحلة الانتقالية تُمثِّل فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أُسُس مؤسسية حديثة، تتجاوز منطق إدارة الأزمات والاستجابات الظرفية إلى بناء مؤسسات عامة قادرة على ممارسة وظائفها بكفاءة واستدامة، ضِمن إطار من الحَوْكَمة الرشيدة والمساءلة وسيادة القانون.
واعتمدت الدراسة المنهج التحليلي المؤسسي، مستفيدة من أدبيات بناء الدولة والحَوْكَمة والخبرات المقارنة في الدول الخارجة من النزاعات، مع مراعاة خصوصية الحالة السورية، ودون افتراض إمكانية استنساخ النماذج الدولية بصورة مباشرة.
وفي هذا السياق، تقترح الدراسة إطاراً تحليلياً يقوم على خمسة مرتكزات إستراتيجية تمثل الأساس اللازم لبناء الدولة خلال المرحلة الانتقالية، وهي: سيادة الدولة وسيادة القانون، والشرعية المؤسسية، والحَوْكَمة والإدارة العامة، والاقتصاد المنتِج والتنمية المستدامة، والثقة المجتمعية والعقد الاجتماعي. وتنظر الدراسة إلى هذه المرتكزات بوصفها منظومة مترابطة، يعتمد نجاح كل عنصر فيها على تكامُل العناصر الأخرى.
وتُولي الدراسة اهتماماً خاصاً بالبُعد السياسي والدستوري للمرحلة الانتقالية، انطلاقًا من أن مؤسسات هذه المرحلة — ومنها مجلس الشعب المنبثق عن انتخابات غير مباشرة وَفْق النظام الانتخابي المؤقت، والإدارة وَفْق الإعلان الدستوري — مؤسسات مؤقتة بطبيعتها، وأن اكتمال بناء الدولة يقتضي استكمال الاستحقاقات الدستورية والانتخابية، من انتخاب لجنة تأسيسية لوضع دستور دائم يُستفتى عليه، إلى انتخابات تشريعية ومحلية مباشرة، بما ينقل البلاد من شرعية الترتيبات الانتقالية إلى شرعية دستورية وانتخابية مستقرة. كما تعالج الدراسة العدالة الانتقالية بوصفها ركناً تأسيسياً في الرؤية لا ملفّاً فرعياً، من خلال تقييم التجربة المؤسسية الناشئة واقتراح مسار تشريعي وقضائي متكامل لها.
وانطلاقاً من هذا الإطار، تنتقل الدراسة إلى تشخيص واقع الدولة السورية من خلال تحليل وظائفها الأساسية، وتحديد الفجوات المؤسسية التي تَحُدّ من قدرتها على أداء مهامها في مجالات الأمن، والعدالة، والخدمات العامة، والإدارة الاقتصادية، وبناء الشرعية. ويبين التحليل أن التحدي الرئيس لا يتمثل في تعدُّد الأزمات بحدّ ذاته، وإنما في ضرورة استعادة القدرة المؤسسية للدولة، وتحويل مؤسساتها إلى مؤسسات قادرة على التخطيط والتنفيذ والتنسيق وتقديم الخدمات بكفاءة وفاعلية.
وفي ضوء هذا التشخيص، تُقدّم الدراسة رؤية إستراتيجية للدولة السورية حتى عام 2030، تتمثَّل في بناء دولة موحَّدة ذات سيادة، تستند إلى سيادة القانون، وتمتلك مؤسسات عامة كُفُؤة وفاعلة، وتحظى بثقة المواطنين، وقادرة على قيادة التنمية وتحقيق الاستقرار المستدام. ولتحقيق هذه الرؤية، تحدد الدراسة خمس غايات إستراتيجية تتمثل في: بناء دولة قادرة وفاعلة، وترسيخ سيادة القانون وتعزيز الشرعية المؤسسية، وبناء اقتصاد إنتاجي مستدام، وتعزيز رأس المال الاجتماعي والثقة العامة، وترسيخ الحوكمة والاستدامة المؤسسية.
كما تُحدّد الدراسة أولويات الإصلاح الوطني في مجالات الإصلاح المؤسسي، وإصلاح منظومة العدالة وسيادة القانون، والإدارة الاقتصادية، وتطوير الخدمات العامة، وتعزيز الشراكة المجتمعية، واستكمال الاستحقاقات الدستورية والانتخابية، والعدالة الانتقالية والسِّلْم الأهلي، وتقترح إطاراً متكاملاً لتنفيذ هذه الأولويات يقوم على وضوح المسؤوليات، والتدرج في التنفيذ، والإدارة القائمة على النتائج، والتنسيق المؤسسي، والمتابعة والتقييم المستمر.
واستكمالاً لذلك، تعرض الدراسة ثلاثة سيناريوهات محتملة لمسار بناء الدولة حتى عام 2030، تشمل سيناريو النجاح التدريجي، وسيناريو التقدُّم البطيء، وسيناريو تعثُّر الإصلاح، مع تحليل أبرز الأخطار المؤسسية والاقتصادية والأمنية والمجتمعية والخارجية التي قد تؤثر في تنفيذ الرؤية الإستراتيجية، واقتراح مبادئ لإدارة هذه الأخطار وتعزيز قدرة الدولة على التكيُّف معها.
وتخلص الدراسة إلى أن نجاح مشروع بناء الدولة في سوريا يتطلب الانتقال من إدارة المرحلة الانتقالية إلى إدارة عملية بناء الدولة ذاتها، بوصفها مشروعاً وطنياً طويل الأمد يقوم على مؤسسات قوية، وحَوْكَمة رشيدة، واقتصاد منتِج، وعدالة فاعلة، وشراكة مجتمعية واسعة. كما تؤكد أن استدامة هذا المشروع ترتبط بقدرة الدولة على بناء مؤسسات تحظى بالثقة العامة، وتعمل وَفْق قواعد سيادة القانون والمساءلة، بما يهيئ البيئة اللازمة لتحقيق التنمية والاستقرار حتى عام 2030 وما بعده.
وبناءً على ذلك، تُقدّم الدراسة مجموعة من التوصيات الموجَّهة إلى مؤسسات الدولة، والسلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والإدارة المحلية، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، والشركاء الإقليميين والدوليين، بما يسهم في توحيد جهود الإصلاح، وتعزيز القدرة المؤسسية، وتحويل الرؤية الإستراتيجية المقترَحة إلى مسار وطني مستدام لبناء الدولة السورية.
لقراءة الدراسة كاملة ( انقر هنا )

